خانيونس
بإبرة وخيط وماكنة، استطاع الحاج سعيد أبو عبدو أن يحوز على رضا الزبائن من كلا الجنسين فيقصدون محله دون غيره من كافة أرجاء محافظة خانيونس الواقعة جنوب قطاع غزة.
بصعوبة استطعت إجراء المقابلة معه، فالعمل في محل أبو عبدو لا يتوقف، هذه قاعدة يعمل بها واستقاها منه أبناؤه الذين تتلمذوا على يدية وأجادوا الحرفة وأصبحوا من أشهر العاملين بها في محافظة خانيونس، فمن ذا الذي لا يعرف أبو عبدو!!.
يتابع الحاج سعيد عمله بلا كلل أو ملل ويجيب على أسئلتي في آن، "لماذا أجلس في البيت وأنا قادر على العمل"، يقول أبو عبدو الذي جاوزت سنوات عمره الستين، ويواصل: " لم يكن بإمكاني الركون للراحة والجلوس في المنزل وترك المهمة لأبنائي ليكملوا مشوار بدأته قبل أربعين عاماً فالخياطة في دمي".
نهاره يبدأ باكراً، قبل أن تمد خيوط الشمس أشعتها يفتح أبواب محله ويبدأ بتجهيز العمل لحين وصول بقية العمال، فالسيدات يقصدنه من كل صوب وحدب، بتواضع يقول أبو عبدو:" لا أعرف سراً لذلك، كل ما أفعله وعلمته لأبنائي أن ننهي عملنا بدقة وإخلاص فالعمل عبادة".
ويتابع :" نعتمد على التخصص في معملنا الصغير، لكلٍ مهمته التي يجيدها ويؤديها على أكمل وجه، فهذا يـأخذ المقاسات وآخر يقص القماش وثالث يقوم بحياكته ورابع يقوم بكيه وطيه، وبذلك تنجز المهمة بسهولة ويسر وجودة عالية".
ولا يجد أبو عبدو حرجاً في أن يقوم أحد أبنائه المتمرسين في المهنة بمهمة أخذ المقاسات، فالمحل أبوابه مفتوحة، والعمل يتم أمام الجميع، لكنه استدرك :" بعض النساء يفضلن أخذ المقاسات في بيوتهن، في حال كان الموضوع "تقصير أو تقييف"، وفي هذه الحالة يقول:" تتحمل الزبونة أو الزبون النتيجة كاملة".
يستغرب أن البعض يرفض عمل الخياط الحريمي، ويتساءل:" ما العيب في ذلك؟ توجد خياطة ويوجد خياط كما باقي المهن والحرف ويبقى الاختيار للزبون".
أبو عبدو الذي بدأ احتراف المهنة قبل أربعين عاماً حظي بقاعدة متينة من الزبائن، يقول:" تعودت على معايشة الناس، والاختلاط بهم خلال مسيرة عملي الطويلة، أعرف ظروفهم وأتفهمها، وأعمل في إصلاح الملابس القديمة أكثر من حياكتي للجديد منها، لأن أوضاع الناس في قطاع غزة، لم تعد تسمح باقتناء الجديد، فأصبحوا يفتشون في ملابسهم القديمة في محاولة لتحويلها لجديد يمكن استخدامه، فأن يدفع الزبون 3 شيكل (أقل من دولار) على إصلاح بنطال أو جاكيت أو بالطو حريمي، وتكتفي بإصلاحه لترتديه سنة أو أكثر، يجعلني أدرك أن الأوضاع غاية في الصعوبة".
ولا يبدو الحاج أبو عبدو نادماً على امتهان حرفة الخياطة إذ ورّث الحرفة لأبنائه الستة، وبدأوا جميعهم يعملون معه، ويجيدون الصنعة مثله وأكثر.
ورغم كثرة محلات الخياطة لكن أبو عبدو يؤمن أن لكل مجتهد نصيب، وأن الرزق مقسم بأمر الله، ويعزو زيادة العمل في مجال الخياطة بين الرجال تحديداً لتدمير قوات الاحتلال كافة المصانع التي كانت تجمع مئات العمال في المهنة.
وتابع: "كانت مصانع قطاع غزة تصدر كميات هائلة من الملابس الجاهزة، ولكن اليوم الآلاف أصبحوا بلا عمل، فاتجه كثير منهم لفتح محلات خياطة بماكينة وأدوات بسيطة، تدر عليهم دخلاً مهما كان بسيطاً".
وقال: "أنا كخياط قديم ومعروف في محافظة خانيونس لم أتأثر من زيادة عدد المحلات وحاولت استيعاب الكثير من عمال المصانع رغم عدم حاجتي الماسة لهم من باب فتح أبواب رزق لهم في هذه الظروف القاسية، والمعيقات الإضافية مثل انقطاع طويل للتيار الكهربائي، وارتفاع في أسعار الخيوط والأقمشة، والماكينات".
يعترف أبو عبدو أن تقدمه في السن قلّص ساعات عمله في المحل، وأن دوره انحصر على رسم حدود القماش بالطباشير الملونة، والإشراف على العمل بشكل غير مرهق، ولكن رغم ذلك يقول:" أجد نفسي أهرع للمقص والإبرة رفيقي دربي اللذان لم يخذلانني يوماً، و رغم أن عيوني لم تعد تقوى على إدخال الخيط بثقب الإبرة لكنني أجتهد أن أُحيّد الشيخوخة، لأبعث روح الحيوية والنشاط في الشباب العامل في المحل".
























